انتصارات اليسار في أميركا اللاتينية…
خلفيات وآفاق
بقلم داود تلحمي- عضو القيادة المركزية في الجبهة الديمقراطية / رام الله
إثر النصر الكبير الذي حققه المرشح اليساري إيفو موراليس في الانتخابات الرئاسية في بوليفيا في الشهر الأخير من العام المنصرم، كانون الأول (ديسمبر) 2005، أورد موقع هيئة البث البريطانية (بي بي سي) على شبكة الإنترنت خارطة لأميركا الجنوبية، تلونت معظم مساحتها باللون الأحمر، إشارةً إلى نجاحات اليسار في غالبية بلدان هذه المنطقة خلال السنوات القليلة الماضية، بحيث لم تبق سوى مساحات صغيرة بيضاء، في شمال غربها خاصة، تشير إلى البلدان القليلة التي لا يحكمها بعد رؤساء يساريون أو أحزاب يسارية.
انتصارات متواصلة لليسار منذ العام 1998…عام انتخاب تشافيز وموراليس، كما هو معروف، من <<الهنود الحمر>> ، أي من سكان البلاد الأصليين قبل الغزو الأوروبي الذي بدأ في أواخر القرن الخامس عشر. وقد أطلق خطأ على هؤلاء السكان الأصليين، المنتمين إلى قبائل وشعوب وحضارات متنوعة، اسم الهنود لأن قائد الغزوة الأوروبية الأولى للقارة، كريستوفور كولومبو (كولومبوس)، ظن أنه وصل إلى الهند من الغرب.
ولكن موراليس لم يكن الرئيس اليساري الأول الذي يصل إلى السلطة في أحد بلدان هذه القارة خلال السنوات الأخيرة. فقبل انتصار موراليس اليساري في بوليفيا، تحققت نجاحات كبيرة لليسار في المنطقة، كانت فاتحتها انتخاب الضابط السابق اوغو تشافيز رئيساً لجمهورية فنزويلا في انتخابات ديمقراطية تعددية في العام 1998.
وبعد تشافيز، نجح يساريون آخرون ووطنيون استقلاليون مناهضون لسياسات و<<نصائح>> الولايات المتحدة الأميركية والمؤسسات الاقتصادية الدولية التي يسيطر عليها (صندوق النقد الدولي، البنك الدولي) في انتخابات ديمقراطية في بلدان أخرى من المنطقة… في تشيلي (2000)، وفي البرازيل (2002)، وفي الأرجنتين (2003)، وفي أوروغواي (2005)، بحيث بات أكثر من 80 بالمئة من سكان أميركا الجنوبية يعيشون في ظل حكام أو أنظمة يسارية.
وقد تجدد فوز الحزب الاشتراكي في تشيلي برئاسة الجمهورية مرة أخرى في انتخابات الشهر الأول من العام الجاري 2006، مع انتصار مرشحته ميتشيل باتشيليت، لتخلف زميلها في الحزب ذاته ريكاردو لاغوس، ولتصبح أول امرأة تتبوأ هذا الموقع في تشيلي، وأول امرأة تنتخب في أميركا اللاتينية المعاصرة دون أن تكون وريثة رئيس سابق أو زعيم بارز.
هذا، علاوة على أن رئيسة تشيلي الجديدة كانت من المتضررات، بشكل شخصي ومباشر، من الانقلاب العسكري اليميني الذي قاده الجنرال أوغوستو بينوشيت، بدعم معلن من الإدارة الأميركية ومخابراتها المركزية آنذاك، في العام 1973، ضد الرئيس الشرعي الذي جرى انتخابه، قبل ثلاثة أعوام من ذلك، في اقتراع ديمقراطي لا غبار عليه، اليساري سلفادور اليندي (تلفظ أييندي بالإسبانية). ولعل من الدلالات المهمة لانتخاب باتشيليت كونها تنتمي إلى نفس حزب اليندي، الحزب الاشتراكي. كما كان والدها ضابطاً كبيراً من أنصار اليندي، وجرى اعتقاله بعد الانقلاب العسكري، وتوفي في السجن خلال فترة وجيزة من اعتقاله. في حين تعرضت هي إلى الاعتقال والنفي بسبب نشاطها السياسي كطالبة جامعية في ذلك الحين.
***
وكل المؤشرات تدل على أن الحبل ما زال على الجرار بالنسبة لانتصارات اليسار. حيث يتوقع أن يحقق اليساريون نجاحات في بلدان أخرى من القارة تشهد انتخابات رئاسية أو تشريعية أو كليهما هذا العام … في بيرو وإكوادور في أميركا الجنوبية، وحتى في نيكاراغوا في أميركا الوسطى، وفي المكسيك، البلد الواقع مباشرة جنوبي الولايات المتحدة الأميركية، وهو البلد الثاني بعد البرازيل من حيث حجم السكان في أميركا اللاتينية (أكثر من مئة مليون نسمة، مقابل 190 مليون نسمة تقريباً للبرازيل).
فما سر هذه النجاحات اليسارية التي تنفرد بها أميركا اللاتينية، بهذه الصورة المنهجية، من بين مناطق العالم الأخرى؟
عواقب العولمة المتوحشة:
وهنا لا بد من التوضيح، أولاً، أن تعبير اللاتينية لا علاقة له بتوصيف ديني، كما قد يظن بعض الناس في منطقتنا. بل يعود إلى كون الغالبية الساحقة من سكان البلدان الواقعة جنوب الولايات المتحدة يتكلـمون إما الإسبانية أو البرتغالية، وكلا اللغتين مشتقتان من اللغة اللاتينية القديمة، كما هو حال عدد من اللغات الأخرى، مثل الإيطالية والفرنسية والرومانية.
وليس هناك سوى عدد قليل من البلدان الصغيرة التي تتكلـم غير هاتين اللغتين، خاصة في منطقة البحر الكاريبي الواقع قبالة أميركا الوسطى (حيث هناك جزر صغيرة كانت، أو ما زالت، مستعمرات أوروبية أو أميركية، يتكلـم بعضها الفرنسية - أو لغة محلية مشتقة منها، تسمى الكريول في بلد مثل هاييتي-، أو الانكليزية، أو الهولندية)…كما في ثلاثة كيانات صغيرة شمال شرقي أميركا الجنوبية (غويانا المتاخمة لفنزويلا، والتي كانت مستعمرة بريطانية، وسورينام التي كانت مستعمرة هولندية، وغويانا الفرنسية التي ما زالت فرنسا تحكمها)، إلى جانب جزر فوكلاند الشهيرة الواقعة على مقربة من شواطئ الأرجنتين الجنوبية، والتي اشتهرت إبان الحرب التي جرت في العام 1982 عندما حاول الحكام العسكريون الأرجنتينيون ضمها إلى بلدهم، فتعرضوا لضربات الأساطيل البريطانية، التي استعادت السيطرة على الجزر، وما زالت تسيطر عليها.
أما الغالبية الكبرى من سكان المناطق الواقعة جنوب الولايات المتحدة، كما ذكرنا، فيقيمون في بلدان تسيطر عليها اللغتان الإسبانية والبرتغالية، مع وجود جماعات غير قليلة من سكان القارة الأصليين (<<الهنود الحمر>>)، الذين ما زال بعضهم يتكلـم لغاته الأصلية القديمة.
وبعد استقلال معظم بلدان أميركا اللاتينية في مطلع القرن التاسع عشر، وهزيمة الاستعمارين الإسباني والبرتغالي من قبل الشعوب التي تشكلت فيها، عملت الولايات المتحدة الأميركية، التي استقلت في أواخر القرن السابق (الثامن عشر) عن الوجود العسكري البريطاني، وقامت بتوسيع مساحة أراضيها عبر ضم وشراء أراضٍ كانت تحت السيطرة الفرنسية والإسبانية والمكسيكية والروسية، عملت على فرض نفوذها على عموم القارة (مبدأ مونرو، على اسم الرئيس الأميركي الأسبق، وهو المبدأ المعلن في العام 1823، والقاضي برفض تدخل قوى من خارج القارة، وتحديداً من أوروبا، في القارة). ودأبت واشنطن، مذ ذاك، على التعامل مع هذه المناطق الواسعة كمزرعة أو <<حديقة خلفية>> لها، كما يقال. كما خاضت واشنطن حروباً استعمارية عدة، خاصة منذ أواخر القرن التاسع عشر، للسيطرة على بعض بلدان المنطقة وبلدان آسيوية مثل الفيليبين. وعملت واشنطن على ربط الشرائح الحاكمة في هذه البلدان بها، وتدخلت مراراً لدعم الأنظمة التابعة لها ولضرب الحركات الشعبية المناهضة للتبعية، طوال القرن العشرين.
وفي الثمانينيات من القرن العشرين المنصرم، ومع تنامي العولمة الرأسمالية وسياسات <<الليبرالية الجديدة>> الملازمة لها على الصعيد الاقتصادي، والتي روجت لها وشجعتها إدارة الرئيس الأسبق رونالد ريغن، سعت واشنطن إلى فرض قوانين وشبكات هذه العولـمة، بشكل مباشر أو عبر المؤسسات الدولية التي تسيطر على قراراتها (البنك الدولي، صندوق النقد الدولي، منظمة <<غات>> للتجارة، التي حلت مكانها في أواخر القرن المنصرم منظمة التجارة العالمية… إلى جانب <<منظمة الدول الأميركية>> التي تشمل كل دول القارة الأميركية بشمالها ووسطها وجنوبها - وقد جرى استبعاد كوبا منها في السنوات الأخيرة بضغط من واشنطن). وهكذا، عملت واشنطن على فرض سيطرة شركاتها الكبرى وأولوية مصالحها الخاصة، وضغطت على دول القارة الأخرى للالتزام بقواعد السوق و<<الليبرالية الجديدة>>، تحت يافطة <<الإصلاح الاقتصادي>>. كما حاولت فرض اتفاقات تجارية إقليمية، أو ثنائية، بينها وبين دول المنطقة وفق قواعد ما يسمى <<التجارة الحرة>>، التي تفترض فتح الأسواق دون قيود بين البلدان المعنية، وهو ما يقود عملياً إلى سيطرة رأسمال ومنتجات الدولة الأكثر تطوراً، أي الولايات المتحدة، على أسواق البلدان الأضعف اقتصادياً. وهو ما حصل، بالفعل، في أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي.
ولذلك، عندما يتبادر إلى الذهن السؤال الطبيعي: لـماذا يحدث هذا الزحف اليساري المتواصل في هذه المنطقة قبل غيرها من مناطق العالم؟ يأتي الجواب واضحاً على لسان أحد كبار المفكرين اليساريين المتابعين لشؤونها: لأن هذه المنطقة كانت دائماً حقل تجارب أول للولايات المتحدة في <<العالم الثالث>>. وفيها، بالتالي، بدئ بتطبيق وصفات <<الليبرالية الجديدة>> وتوسيع نفوذ وامتداد العولـمة الرأسمالية في شتى المجالات، من منطلق تعزيز التبعية للـمركز الرأسمالي الرئيسي في القارة: الولايات المتحدة الأميركية نفسها. وبالتالي، تجلت سلبيات هذه السياسات الاقتصادية في هذه المنطقة، وعلى نطاق واسع، قبل غيرها من مناطق العالم.
فخلال قرابة العقدين من تطبيق قواعد <<الليبرالية الجديدة>> في معظم بلدان أميركا اللاتينية، اتضح أن هذا النظام الاقتصادي، الذي كان يجري تقديمه على أساس أنه أقصر الطرق لتسريع النمو الاقتصادي وتراجع الفقر، قاد في الواقع إلى زيادة الأثرياء والشرائح المرتبطة بالمصالح الأميركية الشمالية (والأوروبية) ثراء، كما قاد إلى زيادة الفقراء فقراً وإلقاء المزيد من شرائح الفئات الوسطى في أميركا اللاتينية في أتون الفاقة.
ووصلت الأمور في بعض الحالات إلى انفجار أزمات نقدية واقتصادية كبرى، كما في المكسيك العام 1994، ثم في الأرجنتين عامي 2001-2002، وهي أزمات دفعت ثمنها أيضاً بلدان أخرى في محيط البلدين وعموم القارة.
وفي واقع الحال، فإن ما سموها <<الإصلاحات الاقتصادية البنيوية>>، أو <<إعادة هيكلة الاقتصاد>>، قادت إلى تباطؤ النمو في غالبية هذه البلدان. فبينما نمت اقتصادات أميركا اللاتينية بنسبة 82 بالمئة بين العامين 1960 و1980، أي قبل تطبيق هذه <<الإصلاحات>>، نمت اقتصاداتها بين العامين 1980 و2000، أي في ظل هذه الإصلاحات، بنسبة 9 بالمئة فقط!! وحتى بلد غني بالنفط والغاز مثل فنزويلا شهد بين العامين 1970 و1998 ظاهرة مقلقة، وهي انخفاض معدل الدخل القومي للفرد فيه بنسبة 35 بالمئة. وبلد مهم آخر في القارة، وهو الأرجنتين، اتسع عدد الفقراء فيه من مليون مواطن في العام 1990 إلى 14 مليوناً في العام 2001 إبان الانهيار الاقتصادي. وسيطرت، خلال الفترة ذاتها، شركات عابرة للقارات (أميركية وأوروبية خاصة) على أكثر من 4000 مصرف ومنجم وشركات نفط واتصالات ونقل في القارة.
وهكذا، بات 40 بالمئة من سكان أميركا اللاتينية (حوالي 550 مليوناً حالياً) يعيشون تحت خط الفقر، وحوالي 20 بالمئة في فقر مدقع (أقل من دولار في اليوم الواحد). في حين بلغت الفروقات في المداخيل بين الأفقر والأغنى مستويات فاحشة، بكل المعايير، بحيث وضع تقرير التنمية الصادر عن منظمة الأمم المتحدة للعام 2005 أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي في أدنى المراتب في العالم من زاوية التفاوت في المداخيل، إلى جانب إفريقيا السوداء (جنوب الصحراء الكبرى).
فنزويلا: تشافيز في مقدمة ركب التمرد والتغيير الجذري
وقد أدت هذه الأوضاع المتردية إلى تنامي حركات الاحتجاج والمعارضة الشعبية، التي نشأت غالباً على الأرض وفي الميدان، وانطلاقاً من القاعدة الشعبية المتضررة. وتأطرت لاحقاً بشكل قوى يسارية منظمة، بعضها حديث المنشأ.
التجربة الفنزويلية
وفي هذا المناخ، جاء أوغو تشافيز إلى الحكم في فنزويلا عبر انتخابات ديمقراطية العام 1998، تحت يافطة محاربة الفقر والجوع والفساد ونفوذ الاحتكارات والشركات الكبرى الأجنبية التي تنهب البلد وثروته الرئيسية، النفط، بحيث لا يستفيد من هذه الثروة المهمة سوى الشركات الأجنبية الكبرى نفسها، وعلى الهامش شريحة محدودة من أثرياء البلد المرتبطين بها وبالمصالح الأجنبية في البلد.
وقد أثبت تشافيز، خلال سنوات حكمه المستمرة حتى الآن بعد إعادة انتخابه العام 2000، شعبيته الهائلة. وخاصة عندما حاولت قوى اليمين في المجتمع وشرائح رجعية في الجيش الفنزويلي، مدعومة مالياً وسياسياً بشكل مكشوف من قبل إدارة جورج بوش الابن في الولايات المتحدة، إحداث انقلاب عسكري على نظامه اليساري في نيسان (إبريل) 2002. حيث قامت الجماهير الفقيرة وشرائح المجتمع المستنيرة واليسارية وقطاعات الجيش المؤيدة لتشافيز بالتصدي للانقلابيين ودحرهم، وتمت إعادته إلى الحكم خلال 48 ساعة بعد بدء الانقلاب، تورطت إدارة جورج بوش الابن أثناءها بإعلان دعمها العلني للانقلابيين وتأييدها لنظامهم!!
وعندما حاولت قوى اليمين الفنزويلي بعد ذلك الفشل المريع الأول، وبدعم متجدد من واشنطن، استغلال بند في الدستور الجديد، الذي تم وضعه في العام 1999 بإيعاز من تشافيز، يسمح بالاطاحة بأي مسؤول منتخب بعد مضي نصف ولايته، بما في ذلك الرئيس نفسه، عبر تقديم عريضة شعبية تحمل تواقيع 20 بالمئة من عدد الناخبين المسجلين ( في هذه الحالة 2ر4 مليون ناخب) بهدف إجراء استفتاء شعبي لسحب الثقة من الرئيس، لـم يهرب تشافيز من التحدي. وأجري الاستفتاء فعلاً في آب (أغسطس) من العام 2004، فحقق تشافيز نجاحاً باهراً فيه. حيث دعمته غالبية كبيرة من السكان (حوالي 58 بالمئة من المصوتين)، ما شكل ضربة قوية لليمين الفنزويلي، لـم يستفق منها حتى الآن، ولن يستفيق منها بسهولة.
جاء ذلك بعد فشل أشكال شتى من محاولات تعطيل الاقتصاد الفنزويلي، وقطاع النفط تحديداً، نظمتها الأوساط اليمينية، وفق نموذج الإضرابات التي جرت في تشيلي في مطلع السبعينيات الماضية، والتي مهدت للانقلاب العسكري الدموي على حكم الرئيس اليساري الشرعي سلفادور اليندي.
وبعد إحباط كل هذه المؤامرات على نظامه، عمل تشافيز على إعادة إحياء آلة إنتاج ثروات البلاد الرئيسية، وخاصة النفط والغاز (فنزويلا سابع منتج للنفط في العالم، وخامس المصدرين له، وتستورد منه حتى الولايات المتحدة قرابة الـ 15 بالمئة من استهلاكها النفطي لتشكل رابع مصدر استيراد لواشنطن من هذه المادة الحيوية، بعد السعودية وكندا والمكسيك. كما ان فنزويلا أول منتج للغاز الطبيعي في أميركا اللاتينية). وتزامن ذلك مع ارتفاع أسعار النفط العالمية لتبلغ أرقاماً قياسية، خاصة بعد الاحتلال الأميركي- البريطاني للعراق، حيث تجاوز سعر البرميل سقف الـ 60 دولاراً).
وهكذا، بعد عودة الاستقرار للبلد وإعادة تشغيل المرافق النفطية وحسم شرعية السلطة بهذا الشكل الباهر، دون المساس بالحريات العامة أو بالتعددية والديمقراطية، توفرت للخزينة الفنزويلية مبالغ كبيرة، قاربت الـ50 مليار دولار في العام 2005. ما سمح لنظام تشافيز بتحقيق برامج إصلاح وتنمية اجتماعية واسعة. وشملت هذه البرامج حملة واسعة لـمحو الأمية، وتأمين العلاجات الطبية المجانية الواسعة للفقراء، بدعم زهاء 20 ألف طبيب استقدموا من كوبا، وإرسال بعثات دراسية كبيرة تشمل زهاء 20 ألف شاب لتعلـم الطب في كوبا وبلدان أخرى، الخ…
وخارجياً، سعت فنزويلا إلى دعم اقتصاديات دول أميركا اللاتينية المحتاجة والفقيرة، فقامت ببيع النفط بأسعار مخفضة للعديد من دول المنطقة اللاتينية والكاريبي، كما لبعض المناطق الفقيرة والمنكوبة في الولايات المتحدة نفسها… إلى جانب سعي تشافيز إلى إقامة وتشجيع اتفاقات التكامل الاقتصادي بين بلدان أميركا اللاتينية، بديلاً عن الاتفاقات التي عملت الولايات المتحدة على فرضها على بلدان القارة الأخرى لصالح اقتصادها وشركاتها الكبرى.
وربما كان هذا الجانب الاقتصادي هو الأخطر بالنسبة لسياسة الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية. ففي سياق تطبيقات العولمة الرأسمالية، أبرمت واشنطن اتفاق تجارة حرة مع كل من كندا والمكسيك في العام 1994 عرف بالأحرف الأولى لاسمه بالإنكليزية، <<نافتا>> (اتفاق التجارة الحرة لأميركا الشمالية)، وحققت بذلك منافع كبيرة لشركاتها الكبرى لاختراق السوق المكسيكية بشكل خاص. كما عملت على التحضير لعقد اتفاق آخر مع دول أميركا الوسطى (غواتيمالا، بيليز، هوندوراس، السلفادور، نيكاراغوا، كوستاريكا، وبنما) بالإضافة إلى جمهورية الدومينيكان في بحر الكاريبي، تحت اسم <<اتفاق التجارة الحرة لأميركا الوسطى وجمهورية الدومينيكان>> (<<كافتا>>، بالأحرف الأولى الإنكليزية). وهو اتفاق لـم يتم إبرامه بعد من قبل كافة البلدان المعنية، كما وضع الكونغرس الأميركي شروطاً مسبقة على البلدان اللاتينية المعنية للـموافقة على ضمها للاتفاق. حيث لـم يدخل سريانه إلا في دولة السلفادور مؤخراً، في جو معارضة نشطة واسعة في الشارع هناك للاتفاق ونتائجه على البلد واقتصاده الضعيف.
كما سعت واشنطن بقوة إلى إبرام اتفاق مع دول أميركا الجنوبية ليتم التوقيع عليه في مطلع العام 2005 تحت اسم اتفاقية <<منطقة التجارة الحرة للأميركيتين>>. لكن عدداً من دول أميركا اللاتينية الرئي
المزيد